عمر طاهر: تأجيل التأجيل
ولأنك تنسى أحيانًا أن الحياة ليست عيّنة مجانية إذا أعجبتك يمكنك
الحصول على واحدة كاملة تهدر أيامك وأنت مختبئ خلف كومة من القرارات
المؤجلة، ولأنك لا تصدق أن الحياة اتجاه واحد تعتقد أنك تستطيع متى أردت
أن تعود خطوة إلى الخلف لتعويض ما فاتك.
لماذا تعتمد التأجيل كأسلوب حياة؟ طالما اتخذت قرارًا فلا تتردد، مَن يُرِد أن يتعلم العوم فعليه أن يلقى بنفسه فى البحر، السير بمحاذاة الشاطئ يصنع فلاسفة، لكن الإبحار هو الذى يصنع قصة حياتك، تؤجّل ممارسة الرياضة وتكتفى بخيالات عن نفسك وأنت فى الجيم تعوّض كل ما فاتك، ترفع فى خيالك أثقالًا وتجرى ساعات على الماكينة وتتأمل نفسك فى حدود ذهنك، تسير مجعوصًا ولا تامر هجرس، لديك ثقة زائفة أن اللحظة التى ستبدأ فيها ممارسة الرياضة سيختفى الكرش فى خمس زيارات، وينتهى النهجان وكرشة النفس خلال أيام، لا تعرف أن كل يوم يمر عليك تقل فيه قدرة جسدك على تحقيق هذه الهلاوس، والنتيجة أن لو ربنا فتح عليك ونفّذت قرارك فعلًا، ستصاب بإحباط من أول أو ثانى زيارة، لأن الهُوَّة تزداد بمرور الوقت بين أحلامك والقدرة على تنفيذها، كان زمان يا بابا تلعب طول السنة فى الجامعة وتذاكر قبل الامتحان بليلة فتخرج بالـ«الجيد» الذى يرضى غرورك، الزمن اتغيّر لا التعليم هو التعليم ولا أنت كما كنت.
تؤجّل زيارة طبيب متخصص يعلّق خلفه شهادة حصل عليها من جامعة حقيقية، وتتعامل مع الأعراض المريبة التى تزورك من آن إلى آخر تعامل الحكومة مع الأزمات، تسكين للعارض دون علاج حقيقى للأزمة، تقول لنفسك ما دامت الأمور تحسّنت فلا داعى لزيارة طبيب، وعندما تسوء مرة أخرى تعود ريما بكل بجاحة إلى عادتها القديمة، تقول لنفسك سأزور الطبيب لكن مؤقتًا سأتصل بابن خالتى خريج التجارة الذى يعمل فى وردية الليل فى صيدلية سيف، ابن خالتك هيوديك فى داهية صدّقنى، وتأجيل زيارة طبيب لم يضيع من عمره سبع سنوات عشان تقول لابن خالتك يا دكتور، هى عمل لا معنى لتأجيله من منطق الكسل أو من منطق الخوف أو حتى من منطق كثير من المصريين يتحملون أزمة قلبية ولا يذهبون إلى طبيب، لأن (اللى يدوّر على الخراء هيلاقى)، ولأن الزيارة قد تكشف عن بلاوى، ما طبيعى عندما تذهب إلى طبيب أن يكشف عن بلاوى فيعالجها.
تؤجل الاستقالة من العمل الذى يهدر عمرك، فلا أنت تحبه ولا هو يعوّض غياب الحب بمقابل يجعلك تتحمل الكراهة اللى فى الأركان، فتظل طول عمرك فى الدولاب، متى ستعمل ما تحلم به؟ وإلى متى ستظل أسير القاعدة الساذجة (حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب)، لأ.. ادخل فى الموضوع مباشرة وشق طريقك نحو ما تحب، إن لم تفعلها وأنت فى كامل لياقتك الذهنية والصحية، فمتى إذن؟
تؤجل القراءة بانتظام، ربما كنت حريصًا على اقتناء الكتب (وهذا كرم أخلاق منك أشكرك عليه)، لكن انظر إلى مكتبتك وقل لى كم كتابا لديك (لسه بالسلوفانة)؟ كم كتابا فى مكتبتك يعج بأوراق ملتصقة تحن إلى إصبعك الحيوان، لكى يمر بينها بالطول ليفك التصاقها؟ نؤجّل القراءة باعتبارها عملًا يحتاج إلى صفاء ذهنى ومزاج، المفاجأة التى لن يخبرك بها ابن خالتك أن القراءة هى التى ستمنحك الصفاء الذهنى والمزاج لا العكس.
تؤجّل الإقلاع عن هدر الوقت والمزاج بين حسابات «الفيسبوك» و«تويتر»، كم مرة فكّرت منذ امتلكت حسابًا هناك أن تغلقه ولو لفترة حتى تسترد عافيتك النفسية؟ أكاد أقسم إنك تأخذ هذا القرار خمس مرات فى اليوم على الأقل، والنتيجة أنك تنهار بمجرد أن تتورّط فى حوار يستدرجك حتى تنهار أعصابك وتبدأ ريالتك فى تزيين الكيبورد، متى ستحصل على هذه الإجازة؟ ولماذا تبرر لنفسك أن ابتعادك عن هذا المجال سيبعدك عن الحياة وما يجرى فيها؟ وأنت أصلًا بالنسبة إلى نفسك وإلى مَن حولك من لحم ودم الحياة وما يجرى فيها، (أهدى هذا المقطع بالذات إلى نفسى).
تؤجّل الإقلاع عن التدخين (هذا المقطع أيضا أهديه إلى نفسى) وبالمرة بقى تؤجّل الإقلاع عن متابعة ماتشات الزمالك وخلّيها تخرب بقى، تؤجّل حتى شراء حجارة جديدة لريموت التليفزيون.
قد أتفهم أحيانا أن تؤجّل قرارك بالاستفادة من التخفيضات الموسمية رغم أنها عمل ممتع مهما كانت ضآلة شأن ما تبحث عنه، أن تؤجل التودد إلى جيرانك الجدد إلى أن تقوم حريقة فى شقتهم فتدخلها لأول مرة بس وهى مولّعة، أن تؤجل السفر لأنك فاشل فى تنظيم وقتك، أن تؤجل صلاتك، لأنك تتعامل معها باعتبارها مواعين البيت التى ستغسلها كلها فى نهاية اليوم مرة واحدة، أن تؤجل تجديد رخصة سيارتك، لأن العاقبة ستكون مجرد غرامة مالية، أن تؤجل عمل كشف نظارة جديد بعد أن صرت غير قادر على التفرقة بين معتز مطر ووائل الإبراشى ليقينك بأنك بمجرد ما تحط رجليك فى عيادة العيون ستصلح كل ما فسد بشكة دبوس (وده عند -مش ابن خالتك- ده عند خالتك نفسها).
أتفهم معظم ما سبق، فلا يوجد بيننا بشر يسيرون حسب الكتالوج، لأن الحقيقة أنه لا يوجد كتالوج أصلًا، وهذا المقال حاشا لله أن يكون نصيحة فما الكاتب أفضل حا لًا من القارئ، ولكن أردت أن أُصَبِّح عليك وأذكرك أن كل واحد لديه الخيار أن يعيش الحياة أو أن يعيش الحياة ألف مرة، وإن كان فى حياتك ثمة شىء يستحق التأجيل فليكن التأجيل نفسه.
لماذا تعتمد التأجيل كأسلوب حياة؟ طالما اتخذت قرارًا فلا تتردد، مَن يُرِد أن يتعلم العوم فعليه أن يلقى بنفسه فى البحر، السير بمحاذاة الشاطئ يصنع فلاسفة، لكن الإبحار هو الذى يصنع قصة حياتك، تؤجّل ممارسة الرياضة وتكتفى بخيالات عن نفسك وأنت فى الجيم تعوّض كل ما فاتك، ترفع فى خيالك أثقالًا وتجرى ساعات على الماكينة وتتأمل نفسك فى حدود ذهنك، تسير مجعوصًا ولا تامر هجرس، لديك ثقة زائفة أن اللحظة التى ستبدأ فيها ممارسة الرياضة سيختفى الكرش فى خمس زيارات، وينتهى النهجان وكرشة النفس خلال أيام، لا تعرف أن كل يوم يمر عليك تقل فيه قدرة جسدك على تحقيق هذه الهلاوس، والنتيجة أن لو ربنا فتح عليك ونفّذت قرارك فعلًا، ستصاب بإحباط من أول أو ثانى زيارة، لأن الهُوَّة تزداد بمرور الوقت بين أحلامك والقدرة على تنفيذها، كان زمان يا بابا تلعب طول السنة فى الجامعة وتذاكر قبل الامتحان بليلة فتخرج بالـ«الجيد» الذى يرضى غرورك، الزمن اتغيّر لا التعليم هو التعليم ولا أنت كما كنت.
تؤجّل زيارة طبيب متخصص يعلّق خلفه شهادة حصل عليها من جامعة حقيقية، وتتعامل مع الأعراض المريبة التى تزورك من آن إلى آخر تعامل الحكومة مع الأزمات، تسكين للعارض دون علاج حقيقى للأزمة، تقول لنفسك ما دامت الأمور تحسّنت فلا داعى لزيارة طبيب، وعندما تسوء مرة أخرى تعود ريما بكل بجاحة إلى عادتها القديمة، تقول لنفسك سأزور الطبيب لكن مؤقتًا سأتصل بابن خالتى خريج التجارة الذى يعمل فى وردية الليل فى صيدلية سيف، ابن خالتك هيوديك فى داهية صدّقنى، وتأجيل زيارة طبيب لم يضيع من عمره سبع سنوات عشان تقول لابن خالتك يا دكتور، هى عمل لا معنى لتأجيله من منطق الكسل أو من منطق الخوف أو حتى من منطق كثير من المصريين يتحملون أزمة قلبية ولا يذهبون إلى طبيب، لأن (اللى يدوّر على الخراء هيلاقى)، ولأن الزيارة قد تكشف عن بلاوى، ما طبيعى عندما تذهب إلى طبيب أن يكشف عن بلاوى فيعالجها.
تؤجل الاستقالة من العمل الذى يهدر عمرك، فلا أنت تحبه ولا هو يعوّض غياب الحب بمقابل يجعلك تتحمل الكراهة اللى فى الأركان، فتظل طول عمرك فى الدولاب، متى ستعمل ما تحلم به؟ وإلى متى ستظل أسير القاعدة الساذجة (حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب)، لأ.. ادخل فى الموضوع مباشرة وشق طريقك نحو ما تحب، إن لم تفعلها وأنت فى كامل لياقتك الذهنية والصحية، فمتى إذن؟
تؤجل القراءة بانتظام، ربما كنت حريصًا على اقتناء الكتب (وهذا كرم أخلاق منك أشكرك عليه)، لكن انظر إلى مكتبتك وقل لى كم كتابا لديك (لسه بالسلوفانة)؟ كم كتابا فى مكتبتك يعج بأوراق ملتصقة تحن إلى إصبعك الحيوان، لكى يمر بينها بالطول ليفك التصاقها؟ نؤجّل القراءة باعتبارها عملًا يحتاج إلى صفاء ذهنى ومزاج، المفاجأة التى لن يخبرك بها ابن خالتك أن القراءة هى التى ستمنحك الصفاء الذهنى والمزاج لا العكس.
تؤجّل الإقلاع عن هدر الوقت والمزاج بين حسابات «الفيسبوك» و«تويتر»، كم مرة فكّرت منذ امتلكت حسابًا هناك أن تغلقه ولو لفترة حتى تسترد عافيتك النفسية؟ أكاد أقسم إنك تأخذ هذا القرار خمس مرات فى اليوم على الأقل، والنتيجة أنك تنهار بمجرد أن تتورّط فى حوار يستدرجك حتى تنهار أعصابك وتبدأ ريالتك فى تزيين الكيبورد، متى ستحصل على هذه الإجازة؟ ولماذا تبرر لنفسك أن ابتعادك عن هذا المجال سيبعدك عن الحياة وما يجرى فيها؟ وأنت أصلًا بالنسبة إلى نفسك وإلى مَن حولك من لحم ودم الحياة وما يجرى فيها، (أهدى هذا المقطع بالذات إلى نفسى).
تؤجّل الإقلاع عن التدخين (هذا المقطع أيضا أهديه إلى نفسى) وبالمرة بقى تؤجّل الإقلاع عن متابعة ماتشات الزمالك وخلّيها تخرب بقى، تؤجّل حتى شراء حجارة جديدة لريموت التليفزيون.
قد أتفهم أحيانا أن تؤجّل قرارك بالاستفادة من التخفيضات الموسمية رغم أنها عمل ممتع مهما كانت ضآلة شأن ما تبحث عنه، أن تؤجل التودد إلى جيرانك الجدد إلى أن تقوم حريقة فى شقتهم فتدخلها لأول مرة بس وهى مولّعة، أن تؤجل السفر لأنك فاشل فى تنظيم وقتك، أن تؤجل صلاتك، لأنك تتعامل معها باعتبارها مواعين البيت التى ستغسلها كلها فى نهاية اليوم مرة واحدة، أن تؤجل تجديد رخصة سيارتك، لأن العاقبة ستكون مجرد غرامة مالية، أن تؤجل عمل كشف نظارة جديد بعد أن صرت غير قادر على التفرقة بين معتز مطر ووائل الإبراشى ليقينك بأنك بمجرد ما تحط رجليك فى عيادة العيون ستصلح كل ما فسد بشكة دبوس (وده عند -مش ابن خالتك- ده عند خالتك نفسها).
أتفهم معظم ما سبق، فلا يوجد بيننا بشر يسيرون حسب الكتالوج، لأن الحقيقة أنه لا يوجد كتالوج أصلًا، وهذا المقال حاشا لله أن يكون نصيحة فما الكاتب أفضل حا لًا من القارئ، ولكن أردت أن أُصَبِّح عليك وأذكرك أن كل واحد لديه الخيار أن يعيش الحياة أو أن يعيش الحياة ألف مرة، وإن كان فى حياتك ثمة شىء يستحق التأجيل فليكن التأجيل نفسه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق